كيف نجحت "التنمية الصناعية" في تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية؟
تبدأ رحلة أي مشروع صناعي ناجح من قدرته على التناغم مع المحيط البيئي، فالموافقة البيئية هي الركيزة الأساسية لضمان استدامة الأعمال والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة، وليست مجرد إجراء شكلي لملف التراخيص.
فالمشروع الذي يلتزم بالمعايير البيئية منذ لحظة تأسيسه يضمن لنفسه الاستمرارية والقبول المجتمعي والقانوني، وهو ما دفع الهيئة العامة للتنمية الصناعية إلى تبني آليات تنفيذية تهدف إلى تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية.
ومنذ صدور قانون رقم 15 لسنة 2017، أصبح العمل يرتكز على تحقيق هذه المعادلة الصعبة: كيف نُمكن المستثمر من بدء نشاطه سريعاً دون الإخلال بالاشتراطات البيئية؟ في هذا المقال، نستعرض واقع العمل الرقابي والإجرائي الذي تتبعه الهيئة، وكيف تطورت آليات المتابعة لضمان تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية.
الإطار التشريعي وأثره على تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية
اعتمدت الدولة استراتيجية واضحة من خلال الهيئة العامة للتنمية الصناعية باعتبارها الجهة الإدارية المسئولة عن إصدار التراخيص داخل وخارج المناطق الصناعية، حيث جاء هذا التوجه مدعوماً بقانون (رقم 15 لسنة 2017)، الذي يهدف بشكل مباشر إلى زيادة الناتج المحلي ورفع معدلات التصدير وتوفير فرص العمل، ولتحقيق ذلك، تم التركيز على أربعة محاور أساسية:
توحيد جهة التعامل بدلاً من تشتت المستثمر بين جهات متعددة.
تيسير الاشتراطات الفنية والبيئية واشتراطات الحريق والسلامة المهنية.
تقليص الإجراءات لضمان سرعة دوران عجلة الإنتاج.
شفافية التعامل لضمان حقوق المستثمر والدولة على حد سواء.
وتجسيداً لهذه المحاور، تعمل الهيئة على تقديم منظومة متكاملة من خدمات حماية البيئة التي تضمن للمنشآت الصناعية التوافق مع المعايير البيئية عبر إجراءات ميسرة وواضحة.
تصنيف المنشآت الصناعية وأثره على معايير الموافقة البيئية
يتم التعامل مع المنشآت وفق درجة مخاطرها، وهو ما ينعكس على نوع الموافقة البيئية المطلوبة:
1. نظام الإخطار: للمنشآت "قليلة المخاطر"، حيث تكون الإجراءات فيها أكثر سرعة.
2. نظام الترخيص المسبق: مخصص للمنشآت "عالية المخاطر" التي تتطلب معايير دقيقة للأمن أو الصحة أو البيئة؛ وهي الفئة التي تضعها الهيئة في مقدمة أولوياتها من أجل تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية دون الإخلال بالاشتراطات الفنية.
تحول جذري في معدلات الإنجاز (الموافقات البيئية بين الماضي والحاضر)
بالنظر إلى مسار المنشآت الصناعية المصنفة "عالية المخاطر"، نجد أن التحدي الأكبر كان يتمثل في دراسات تقييم التأثير البيئي، وبمقارنة آليات العمل، نجد فارقاً شاسعاً في الأداء بين:
الوضع السابق: كان المستثمر يقوم بإعداد دراسة تقييم الأثر البيئي وتقديمها للهيئة، ثم تبدأ دورة مستندية طويلة حيث تُرِسل الدراسة إلى جهاز شئون البيئة، للرد أو إبداء الملاحظات، مما كان يعطل بدء التشغيل الفعلي، وتبين من واقع التطبيق طول الفترة الزمنية التي يتم فيها الدراسة وإصدار الموافقة البيئية.
الوضع الحالي (تفعيل اللجنة المشتركة): التزاماً بقرار رئيس مجلس الوزراء رقم 2067 لسنة 2022، حدث تحول جذري يهدف إلى تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية، حيث تم تشكيل لجنة دائمة مقرها الهيئة العامة للتنمية الصناعية، تضم في عضويتها باحثين من جهاز شئون البيئة وممثلين عن الهيئة (الإدارة العامة لحماية البيئة) واستشاري بيئي متعاقد مع الهيئة.
نتائج ملموسة: هذه اللجنة تجتمع مرتين أسبوعياً بمقر الهيئة، لمراجعة الدراسات البيئية والبت فيها خلال مدة لا تتجاوز 15 يوماً فقط، هذا الاختصار الزمني هو جوهر عملية تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية، حيث أصبح بإمكان المستثمر الحصول على الرخصة في غضون 20 يوماً فقط من استيفاء الدراسة.

إحصائيات مراجعة الدراسات وإنهاء التراكمات
تجسد الأرقام والنتائج المحققة مدى فاعلية المسار الذي اتخذته الهيئة في تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية من خلال اللجنة المشتركة، والتي لم تكتفِ فقط بالتعامل مع الطلبات الجديدة، بل وضعت نصب أعينها إنهاء كافة الملفات العالقة، فمنذ انطلاق عمل هذه اللجنة، تم عقد 224 اجتماعاً دورياً مكثفاً، أسفرت عن طفرة حقيقية في معدلات الإنجاز؛ حيث نجحت اللجنة في حسم الموافقة بالكامل على 105 دراسة بيئية كانت معلقة منذ عام 2019 وحتى نهاية عام 2021، مما أنهى سنوات من الانتظار للمستثمرين.
أما فيما يخص الأداء العام منذ بداية عمل اللجنة، فقد تم فحص ومراجعة 608 دراسة بيئية، انتهت اللجنة من منح الموافقة الفنية لـ 595 دراسة منها، في حين اقتصرت الطلبات المتبقية على 13 حالة استكمال فقط، وهي في طريقها النهائي للتوافق، وتؤكد هذه الإحصائيات أن منظومة تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية تحولت إلى أداة تنفيذية قوية استطاعت تصفية التراكمات السابقة وتقديم استجابة سريعة للمشروعات الجديدة في وقت قياسي، بما يعكس أهمية إدارة الوقت في المشروع الصناعي.
منظومة التفتيش والرقابة لضمان استدامة التوافق البيئي
إن تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية لا يعني التساهل في المعايير، بل يعني جعل الوصول للتوافق أسهل وأوضح، تتبع الهيئة نظاماً دقيقاً للتفتيش الدوري عبر لجان فنية مشتركة تتأكد من التزام المنشأة بكافة الاشتراطات التي تم منح الترخيص بناءً عليها، ويتم التعامل مع نتائج التفتيش بمنتهى الشفافية والاحترافية وفق طبيعة المخالفة:
المخالفات الجسيمة: إذا رصدت اللجنة خطراً داهماً يهدد البيئة أو الصحة، يتم اتخاذ إجراءات رادعة فورية مثل الوقف أو الغلق الإداري، ولا يجوز السماح للمنشأة بممارسة النشاط إلا بعد إعادة فحصها مرة أخرى والتأكد من إزالة المخالفات.
المخالفات غير الجسيمة: هنا تبرز مرونة الهيئة في تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية من خلال تقديم خطة إصحاح بيئي محددة بجدول زمني لإزالة المخالفات المرصودة أثناء المعاينة إلى اللجنة المشكلة من الهيئة وجهاز شئون البيئة.
يأتي ذلك ضمن إطار متكامل يغطي مختلف مراحل تعامل المستثمر مع الهيئة، من تقديم الطلب وحتى التشغيل الفعلي والمتابعة اللاحقة، في سياق رحلة المستثمر التي تضمن وضوح الإجراءات واستمرارية الرقابة دون تعقيد.
خطط الإصحاح البيئي.. سرعة الحسم في توفيق الأوضاع
تعتبر خطط الإصحاح البيئي هي طوق النجاة للمصانع القائمة التي تسعى لتوفيق أوضاعها البيئية لتتوافق مع المعايير الحديثة، بهدف المزيد من تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية:
1. اللجنة الدائمة لخطط الإصحاح: تم تشكيل لجنة متخصصة لمراجعة هذه الخطط، وهي تجتمع مرتين أسبوعياً لضمان عدم تراكم الطلبات.
2. الجدول الزمني الجديد: أصبح البت في خطة الإصحاح وإصدار الموافقة الفنية عليها يتم خلال 7 أيام عمل فقط من تاريخ تقديمها مستوفاة الشروط إلى جهاز شئون البيئة.
3. المتابعة والإنذار: في حال لم تلتزم المنشأة بتوفيق أوضاعها خلال المدة الممنوحة لها، تقوم الهيئة بإنذار المنشأة بضرورة إزالة المخالفات خلال المدة التي تم تحديدها في الإنذار.
4. إذا استمر عدم إزالة المخالفات تقوم الهيئة في موعد أقصاه 21 يوماً من انتهاء مهلة الإنذار بتحرير محضر للمنشأة، ويرسل لوزير الصناعة لإصدار قرار بغلق المنشأة، مما يضمن أن يكون تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية مقروناً بجدية التنفيذ على أرض الواقع.

منظومة خدمات حماية البيئة.. دعم لوجستي وفني متكامل
تعد خدمات حماية البيئة التي تقدمها الهيئة من الركائز الحيوية لتعزيز التوافق البيئي الشامل، حيث يمتد دور الهيئة من منح التراخيص إلى الإشراف الفني الدقيق على كافة المواد الكيماوية والمدخلات الإنتاجية، وتشمل هذه المنظومة مجموعة من الخطوات الأساسية:
الإفراج الجمركي عن المواد الكيماوية: تضمن الهيئة من خلال هذه الخدمة أن كافة الشحنات المتواجدة فعلياً في المنافذ الجمركية، أو تلك التي يتم تحديد احتياجاتها السنوية، تتوافق تماماً مع القوائم المسموح بها بيئياً، هذا الإجراء الوقائي يمثل دعماً مباشراً لعملية تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية، خاصة للمصانع التي تعتمد بشكل أساسي على المدخلات الكيماوية في عملياتها التصنيعية.
خطابات الإفادة لمستوردي المخلفات: ضمن إطار خدمات حماية البيئة المتميزة، تدعم الهيئة الشركات الصناعية التي تعتمد على المخلفات المسموح بها كمواد خام؛ وذلك من خلال إصدار خطابات إفادة رسمية تضمن معالجة هذه المخلفات بطرق بيئية سليمة وآمنة داخل المنشأة، مما يمنع أي تأثيرات سلبية على النظام البيئي المحيط.
إن تكامل هذه الأدوار الرقابية والفنية يعكس التزام الهيئة بتقديم بمستوى احترافي يضمن للمستثمر العمل في إطار قانوني وبيئي مستدام، ويدفع بقوة نحو تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية لكافة القطاعات الصناعية.
أسئلة تهمك حول تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية
في إطار سعي الهيئة الدائم لمد جسور التواصل مع الصناع وتوضيح كافة الاستفسارات التي قد تطرأ على ذهن المستثمر، خصصنا هذه الفقرة للإجابة على أهم التساؤلات الشائعة المتعلقة بالمنظومة الإجرائية والرقابية، نهدف من خلال هذه الإجابات إلى تسليط الضوء على آليات تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية وضمان إدراك المستثمر لحقوقه وواجباته تجاه البيئة والصناعة الوطنية.
1- ماذا عن المنشآت الصناعية القائمة والسابق حصولها على رخصة تشغيل من أجهزة المدن أو الوحدات المحلية ولم تحصل على رخصة تشغيل من الهيئة؟
يتم معاينتها من خلال لجنة مشتركة من الهيئة العامة للتنمية الصناعية وجهاز شئون البيئة للتأكد من توافقها البيئي واستيفائها لاشتراطات التراخيص قبل حصولها على رخصة التشغيل من الهيئة.
2- ماهي الاجراءات التي تتخذها الهيئة لمتابعة استيفاء المنشآت الصناعية للاشتراطات البيئية؟
التفتيش الميداني: تقوم اللجنة المشكلة من الهيئة وجهاز شئون البيئة بالتفتيش على المنشآت الصناعية للوقوف على مدى التزامها باشتراطات الترخيص وإعداد التقارير اللازمة بشأنها وعرضها على السلطة المختصة بالهيئة.
القياسات البيئية: يقوم جهاز شئون البيئة بإرسال نتائج القياسات البيئية وتحديد مدى تطابقها مع المعايير الواردة بالقرار الوزاري رقم 461 لسنة 2018 وإخطار الهيئة في حالة وجود مخالفات بيئية وتصنيفها من حيث كونها مخالفات جسيمة أو غير جسيمة.
الإجراءات القانونية: تقوم الهيئة بصفتها هي الجهة الإدارية المختصة بإصدار رخص التشغيل للمنشآت الصناعية باتخاذ كافة الإجراءات حيال المنشآت المخالفة طبقاً لما ورد بالقانون رقم 15 لسنة 2017 ولائحته التنفيذية وكذلك برتوكول التعاون بين الهيئة العامة للتنمية الصناعية وجهاز شئون البيئة.
إن الهدف من كل هذه الإجراءات واللجان المشتركة هو خلق بيئة صناعية "خضراء" وقادرة على المنافسة، فالمستثمر الذي يستفيد من تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية يحصل في النهاية على ميزة تنافسية، حيث أن المنتجات المصنعة في منشآت متوافقة بيئياً تحظى بفرص تصديرية أكبر وقبول أوسع في الأسواق العالمية التي تضع البيئة شرطاً أساسياً للتجارة.
إن الهيئة العامة للتنمية الصناعية تستمر في مراجعة وتطوير آلياتها، مؤكدة أن القوانين مثل قانون 15 لسنة 2017 هي أدوات ديناميكية تتطور بتطور الصناعة، وأن الهدف النهائي سيظل دائماً هو تيسير إجراءات الحصول على الموافقات البيئية لتمكين الصناع من العمل في مناخ آمن ومستدام.